آمنتُ الآن أن هناك جنّي كتابة يزور بعضنا أحياناً.. الجنّي الخاص بي لا يسكن وادي عبقر مع جنّ الشعراء العرب، ولا يسكن وادي الروائيين.. لكنه يعيش في مكان- سأخترع له اسماً فيما بعد- مكان شبيه بنفر لاند أو اللاأرض، حيث كثير من الأولاد التائهين الضاحكين والفتيات المبتسمات الحفايا، حيث الأفكار –بناتها وأولادها- يحلقون ولا يكبرون، حيث القراصنة والتماسيح والحوريات والأخطبوطات…

الجنّي الخاص بي يحب القهوة والموسيقى والتجوّل في الذاكرة والقفز فوق الأسرّة.. يجمّع رسومات الأطفال الغير مكتملة وحكاياهم الخرافية والخيالية، هذا الجني عابث ضاحك يأخذ الأمور التي تحلو له بجدية فقط ، يتصادق مع جن الشعراء والروائيين لكنه لا يكتب مثلهم بالقلم الحبر وبخط الرقعة، بل يكتب بالقلم الرصاص وكثيراً ما يمحي من كتبه أو يكسر أقلام رصاصه ويضيّعها، يهمس في أذني أحياناً بكلام مهم ولكنه لا يستخدم إلا لغته الخاصة البسيطة وكلماته القليلة ولا يرضى أن يلهمني صفحة دون أن يتخيلها رسماً.

هذه المرة أخذني الجنّي إلى واديه أو جزيرته-التي سأخترع لها اسماً فيما بعد- لأكتب كتاب حفلة شاي في قصر سندريلا..من هناك، من المكان-الذي لا أعرف اسمه بعد- رحلتُ عبر الذاكرة والخيال إلى قصر سندريلا حرفياً فكان هذا الكتاب الذي استمتعت جداً بكتابته والذي أرجو أن يتمتع القراء به كذلك..

لن أقول الآن كيف جاءت الفكرة ولم، فكل هذه التفاصيل كتبتها في مقدمة الكتاب، سأقول فقط أنه كتاب للأطفال أو للكبار أو للكبار الأطفال أو للأطفال الكبار..الجنّي الخاص بي  يرفض أن يعطيني تصنيفاً، إنه يخبرني دوماً أن من حق الأطفال أن يقرأوا شيئاً في منتهى العمق والجدية والحكمة ومن حق الكبار أن يرحلوا مع الخيال الجميل ويستمتعوا بالرسومات والألوان وتمازجها مع الكلمة والحرف ومن حقي أن أكتب ما يحلو لي دون تصنيف.

لست أنا من قال هذا الكلام ولكنه الجنّي من المكان الذي لا أعرف ماهو بعد..

مثل كثير من الكتب، كانت رحلة الكتابة وإصدار الكتاب بها كثير من الزخم، بدءاً من اختيار اسم الكتاب بعد الإنتهاء منه مروراً بكل الفناجين وصحونها الصغيرة التي تكوّمت في صفحة الرسامة الجميلة ليال إدريس انتهاءاً بالمصممة سارة خميّس التي أصرّت على شكل جديد ومختلف من تصميم الصفحات ومن توزيع النص مع الرسم في  الكتب العربية..

هذا الكتاب تدلل كثيراً بين كتابته في جدة ورسمه في كاليفورنيا وتصميمه في بوستن وطباعته في بيروت.. وزيارة منبع أفكار قصصه الأصلية في بفاريا في ألمانيا، عدد كبير من القصص التي يقوم عليها الكتاب كسندريلا وليلى والذئب وغيرها من قصص التراث الأوروبي جمّعها أولاً الكاتب الفرنسي تشارلز بيرو في “حكايات أمي الأوزة” في نهايات القرن السابع عشر، وفي بدايات القرن التاسع عشر قام الأخوان جريم من ألمانيا بإعادة كتابتها مرة ثانية وتجميع مزيد من القصص مثل بياض الثلج ورابونزل في “حكايات الأطفال والبيوت” من القرى وأفواه الجدات. كنت معجبة بهذا المجهود الذي آمن بالحكمة في شكل القصة وقدمها للعالم أجمع وكنت أرحل مع خيالي ممتنة لكل من آمن بتراثنا الشعبي والعربي وعمل على جمعه، متمنية أن تتضافر الجهود أكثر وتظهرالمؤسسات قصص التراث في أعمال مختلفة بمستوى يتناسب مع عصرنا الحالي ويضمن انتشارها.

أثناء قراءتي عن هذا الموضوع وعن تجميع الأدب الشعبي الأوروبي في حكايات غدا يعرفها كل الناس في كل الأرض وتحويلها إلى عدد من الأعمال التلفزيونية والسنيمائية والمسرحية، لفت نظري مقال وصور عن قصر في أعالي جبال الألب في بفاريا اسمه: “نويشفانشتاين “.. دهشت لروعة هذا القصر وجمال بنائه أثناء تصفّحي لصوره وقرأت أن قصر سندريلا في ديزني لاند- والذي أصبح علامة مميزة للقصة ولمدينة الديزني بأكملها- قد اقتبس تصميمه من هذا القصر الألماني العتيق..

IMG_4570

كنتُ في المرحلة الأخيرة من كتابة الكتاب حين قررتُ في إحدى الإجازات أن أزور القصر الذي يدعون أنه كان ملهماً لقصة سندريلا وقصرها طالما أن الجنّي-الذي لا أعرف اسم أرضه بعد- قد قرر لبنات أفكاري أن يقيموا حفلة شاي في قصر سندريلا برفقة صديقاتها من أميرات القصص الخرافية الأخرى.

الرحلة كانت إلى ميونيخ ومن هناك أخذنا الباص في رحلة مدتها عشر ساعات إلى أعالي جبال الألب، يطلق على الرحلة :فيري تيلز تريب- أو رحلة القصص الخرافية، تشمل الرحلة زيارة القصر طويل الإسم مع سرد قصة الأمير الألماني صاحبه والذي لم يتزوج وكان يطل بقصره البعيد عن ميونيخ، بكل بذخه وغموضه على قرى الرعاة والمزارعين والجدات اللواتي غزلن الحكايات المختلفة وزوجن كل البنات لهذا الأمير العازب..

IMG_4562

تشمل الرحلة كذلك زيارة لإحدى القرى التي لا زالت تحتفظ منذ تلك الأزمنة البعيدة برسومات القصص المختلفة كليلى والذئب وهانسل آند جريتل على جدران البيوت من الخارج، الناس في ذلك الزمن وفي هذا المكان النائي- والذي يتميز بروعته واخضراره وأنهاره- لم تكن تقرأ وتكتب ولكنها كانت تحكي الحكايات شفهياً وترسم..!

IMG_4568

قلت لجنّي الأفكار- الذي لا أعرف من أين هو بعد- شكراً على أفكارك الملهمة..كانت حقاً تجربة مختلفة من خلالها لن أدعي أن حفلة الشاي في قصر سندريلا هي مجرد عنوان كتاب..ولكنها زيارة حقيقية لمكان في أعالي الجبال بعد أن كتبت عنه اكتشفت أنه حقيقي جداَ.

تحدثتُ مع صديقي الجني  هل نكتب الأشياء أولاً ثم تصبح حقيقة، أم أننا نراها ثم تتسلل لأفكارنا ونكتبها ؟

لم يرد علي طبعاً كعادته ورحل إلى مكانه الذي لا أعرف أين هو، وتركني كالعادة أتخبط في أسئلتي وأحاول أن أفكر في”القصص الخرافية” بعقل كبير وناضج وأتحدث مع المدعوات والمدعويين على حفلة الشاي في القصر..

بالمناسبة لا أعرف ماذا أسمي المكان الذي أتى منه الجنّي الخاص بي؟

لقد رحل عني الآن وهرب وتوقفت أفكاري حين شعرت أنني بحاجة إليه!!!

أروى خميّس

سبتمبر-2015

 

كن أول من يعرف عن إطلاق كتبنا